إلى الميلاد



تضعنا الكنيسة الأرثوذكسيّة في الأحدين السابقين لعيد ظهور الله بالجسد والذي يُعرف بعيد الميلاد في حالة اشتراك مع جمع غفير من الأجداد والأجيال، من آدم إلى ولادة الرّب بالجسد، إرتبطت جميعها بالرّب يسوع إن من ناحية الانتظار أو من ناحية النسب أو مع أناسٍ بحثوا عنه من دون أن يعرفوه، لتقول لنا أن هذا الحدث الخلاصي والفريد من نوعه لم يكن مفاجأة غريبة عن البشريّة بل كان في الحقيقة مشتهى الأمم.
 
إنتظار دام قرون، ونبوءات ملأت العالم بأسره ووأبرار اشتهوا أن ينظروه ورقدوا على هذا الرجاء.
 
فقد كتب القدّيس يوستينوس الفليسوف في القرن الثاني ميلادي "المسيح هو بكر الخليقة، وهو كلمة الله الذي اشترك فيه كلّ جنس بشري وأن كلّ من عاش عيشة تتفق والكلمة كان مسيحيًا ولو انّه عُرف بالوثنية، كما جرى بين اليونانيين أمثال سقراط وهيراقليطس وغيرهما".4b8234fa68d1b425af52c40d8a566c9c
 
وأكمل القدّيس في دفاعه عن المسيحيين"المسيح كلمة الله ينير العقول البشريّة منذ البدء بزرع إلهيّ، وأخصبت هذه العقول منه عند الناس الطيبين بذورًا "Sperma " وعرفت بعض الحقائق ولكنّ اهتداءَها لم يكن كاملًا". فالإيمان مكمّل للعقل لا نقيضه أو مبطله لأن مصدرهما واحد. 
 
وبالعودة إلى زمن الميلاد، نلاحظ أن مع عيد دخول السيـّدة والـدة الإلـه الـى الهيكـل نبـدأ بترتيـل كطفاسيات الميلاد لتتصاعد الليتورجية الميلاديّة ابتداءً من تقدمة العيد، في 20 كانـون الأول، وهو عيد القـدّيس الشهيد إغنـاطيوس الأنطاكي.
 
ولا ننسى طبعًا بارامون الميلاد أي يوم التهيئة الذي يأتي قبل العيد ويكون مليئًا بالصلوات الميلادية.
 
 
الأحد الثاني قبل الميلاد: أحد الأجداد
 
تركّز الكنيسة على الطابع المسكوني لعيد الميلاد. فالمسيح ليس إله شعب معيّن دون آخر، وليس من إختيار مسبقٍ لأحد بل هو خالق الكون بأسره وتاليًا هو إله العالم أجمع.
 
بعد سقوط الإنسان، ووعد الله بالخلاص، كشف الله للآباء والأنبياء في  العهد القديم تحقيق الوعد وتدبير التجسّد والفداء.  أكثر من ثلاث مئة نبوءة في العهد القديم تخبرنا عن مجيء المخلّص، ويبدو أنّ الشعوب كلّها انتظرت أن يشرق مَن يهديها العبادة الحقّ.
 
فالشعوب الفارسيّة انتظرته ولهذا شاهد المجوس نجمَهُ و أتوا من بعيد ليسجدوا للطفل الإلهي.
 
الفلاسفة اليونانيين المتعطّشين إلى الحكمة والسعادة والفرح تكلمّوا عليه  دون أن يُسمّوه.
 
مثلًا نجد عند أثينادور الفيلسوف في القرن الأوّل قبل الميلاد عبارات سامية جدًا كما في قوله:"إن روحًا قدّوسًا يقوم في أعماقنا. هو مراقب وحارس لأفكارنا الصالحة والشريرة". وفي مكان آخر يقول:"إعرف أنّك إذا لم تجسر أن تطلب شيئًا من الله بحضور كلّ الناس فإنّك لم تتحرّر من أهوائك بعد. عِش مع البشر كأنّ الله يراك وتكلّم مع الله كأنّ البشر يسمعونك".
 
هذا هو إلهنا، إله الأحياء والأموات وإله كلّ الشعوب والأجيال ومخلّص نفوسنا، فلنذهب للقائه.
 
من هنا أنّ هدف الصوم الأربعيني الميلادي الذي بدأ في الخامس عشر من تشرين الثاني هو أن يجعلنا نلتقي هذا الإله المتجسّد وجهًا لوجه، وأن يجعل من قلوبنا مذودًا يتقبّل من نزل من السماوات وأراد أن يولد طفلًا ليرفعنا إلى ملكوته.
 
ولكن هذا يتطلّب تواضعًا وانسحاقًا وإفراغًا للذات وطاعة لمشيئة الله، وطبعًا توبة صادقة لنولَد من جديد.
 
ابراهيم كان وثنيًا بمفهوم علم الأديان، ولكنّه أضحى معلّمًا كبيرًا بالطاعة والإيمان.
 
كلّ المعتقدات والأديان من أقسى الشرق إلى أقصى الغرب نادت بإله ينجّي، يخلّص وينقذ. بحثت عن السلام والأمان والسعادة والطمأنينة حيث "يرعى الذئب مع الحملان". اشتهواهذا الفرح الذي يتعدّى الهويّة الأرضية ليوّحدنا بهويّة سماويّة. من هنا قول بولس الرسول:"لأنّ كلّكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح. ليس يهودي ولا يوناني. ليس عبد ولا حر. ليس ذكر وانثى. لأنّكم جميعًا واحد في المسيح يسوع" (غلاطية 27:3). 
 
 
ففي أحد الأجداد تذكر الكنيسة كلّ الذين كانوا قبل الشريعة وبعد الشريعة. وهذا ما يقوله لوقا الإنجيلي في نسب الربّ يسوع إذ يرجع من يوسف لآدم فيشمل المسكونة جمعاء.
 
وإنّ في مباركة ملكيصادق "ملك شليم" -أي ملك السلام- لابراهيم عند رجوعه من معركة خودلوغومر (سفر التكوين 18:14-20) وإعطائه خبزًا وخمرًا تأكيد على وجود الزرع الإلهيّ في المسكونة جمعاء.
 
ملكيصادق هو ملك مدينة القدس أو شاليم أو أورشاليم، ذُكر في العهد القديم والعهد الجديد. وهو اسم كنعاني معناه "ملك السلام". شخصيته بقيت غامضة، " بلا أب بلا أم بلا نسب. لا بداءة ايام له ولا نهاية حياة، بل هو مشبّه بابن الله، هذا يبقى كاهنًا إلى الأبد". لم يكن يهوديًا، ولكنّه ذُكر أنّه كاهن الله العلي. (عببرانيين7) 
 
 
 
الأحد الأوّل قبل الميلاد: أحد النسبة
 
trois-patriarches  تصنع الكنيسة في هذه الآحد تذكار أسماء السلالة التي انحدر منها المسيح حسب الجسد. 
 
فهو ابن إبراهيم وابن داود وابن مريم. 
 
الميزة في هذه السلالة أنّها على عكس ما يظنّه الناس. في العادة يفتخر المرء بنسبه وأصله ويتشرّف به. ولكن هنا العكس تمامًا. فنسب يسوع في الجسد يضم خطأة وأمميّات وزانيات (راعوث الوثنية، ثامار وراحاب اللتين ارتكبتا الزنا)، فالمسيح هو الذي يشرّفهم، والأجدي أنّه يطّهرهم ويخلّصهم، لأنّه هو إلههم ومخلّصهم.
 
النسب عند متى يبدأ بإبراهيم أبي المؤمنين وعند لوقا يصعد إلى آدم.
 
نعم يسوع مخلّص الجنس البشري كلّه، ملك الملوك وسيّد الأسياد.
 
 
 
 
 
خلاصة:
بالإيمان ترك إبراهيم أرض أبيه وسكن في كنعان، وبالإيمان حصل على ابنه اسحق الموعود في شيخوخته والّذي كان مستعدّاً أن يقدّمه ذبيحةً تلبيةً لمشيئة اللّه. 
بالإيمان بنى نوح الفلك في عصره وخلّص أسرته من الطوفان العظيم بالإيمان. 
بالإيمان قبل موسى دعوة الله له وعبر بشعبه البحر الأحمر وتغلّب على مصاعب الصحراء.  
بالإيمان شهدوا الأنبياء وتحدّوا الملوك وقبلوا الإستشهاد.   
لم تكن يومًا الظروف في التاريخ مختلفة عمّا هي عليه اليوم، ويبقى دائمًا المسيح هو المرتجى والمخلّص الوحيد.