القدّيس البار سمعان اللاهوتي الحديث:



03-12

القدّيس البار سمعان اللاهوتي الحديث:

ملاحظة:  تحتفل الكنيسة المقدّسة في هذا اليوم بتذكار القدّيس سمعان اللاهوتيّ الحديث الذي يصادف عيده في الثاني عشر من شهر آذار. ولكن بسبب وقوعه دائمًا في موسم الصوم الكبير، جرى نقله الى هذا اليوم.

التّوبة عند القدّيس سمعان اللاهوتيّ الحديث:

التّوبة هي دعوة مستمرّة ويوميّة من الله للإنسان! "توبوا" كلمة ذات بُعد زمني، هي دعوة على مدى العصور ولكلّ البشر! التّوبة كدعوة من الله نحو البشر لها أهميّة عظيمة لأنّها الطريق الوحيد الذي يؤدّي إلى الخلاص والشركة معه.
التّوبة هي التعبير الوحيد عن حرّيّة الإنسان لأنّ الحريّة الحقيقيّة هي بالعيش مع الله،
- التّوبة تشكّل عنصراً أساسيّاً للنقاوة والطهارة. 
- في التّوبة يتصرّف الإنسان عكس آدم الذي رفض التّوبة وحتّى الاعتذار! أراد آدم أن يكون إلهاً بسرعة، أن يتألّه بسرعة. 
- التّوبة هي العمل للوصول إلى الكمال والتألّه بالنعمة. هو عمل مستمرّ وغير منقطع.
- التّوبة جهاد مستمرّ، لا يحصل بسرعة، جهاد مستمرّ في خضمّ الحياة الروحيّة. الإنسان كونه يخطأ باستمرار عليه أن يتوب دائمًا، أن ينقّي نفسه ويطهّرها، أن يحفظها دائمًا نظيفة مدى حياته على الأرض. بهذا العمل، عمل التّوبة، يتجدّد الإنسان ويُجدّد معموديّته.
- التّوبة توّمن تجديد العلاقة مع الله، وحياة الشركة مع الربّ تتحقّق فقط من خلال التّوبة لأنّها تملك القوّة على إعادة وصل الطريق الذي قُطع بين الله والإنسان بسبب الخطيئة وفِعلها. - عدم التّوبة لا يبعدنا عن الله فقط، بل يجعلنا غير قادرين على معرفة أننا بشر.
- التّوبة والخلاص هما عنصران متلازمان ولا ينفصل الواحد عن الآخر.
- التّوبة لها صفة شخصيّة، إنّها خاصّة لكلّ فرد منّا ليس فقط من ناحية اتخاذ الإنسان لقرار التّوبة ولكن، من جهّة الهبات التي يعطها الربّ المحبّ البشر للإنسان التائب كتأكيد على "الجهاد" الذي بذله في سبيل التّوبة.
- جوهر التّوبة هو أن يقرّر المؤمن أن ينزع منه وثق الخطيئة! فهي تصبح التّوبة ضروريّة عندما يرجو الإنسان أن تحلّ عليه بركة الربّ ورحمته. عندها وعلى هذا الرجاء، يُغدق الله على التائب رحمته ويطهّره وينير عقله ويجعله إناءً قابلاً للنور الإلهي وشريكاً للألوهة.
- نتيجة لعمل التّوبة "ينصب الربّ خيمته فينا ويحلّ بيننا ويتكلّم معنا كأصدقاء، وأكثر من ذلك، يتحقق في الشخص التائب قول القدّيس يوحنا الإنجيلي: "وأمّا كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله" (يو1: 12)، فمن الآن يتذوّق التائب الخلاص الذي يجاهد أن يكتسبه.


- ولادته ونشأته:
ولد قدّيسنا في غلاطية بفلاغونية، في آسيا الصغرى، سنة ٩٤٩م، لعائلة مقتدرة من النبلاء. فلما بلغ الثانية عشرة أرسلوه إلى المدينة المتملّكة لمتابعة دروسه استعداداً للدخول في خدمة القيصر.
سلك في الطيش بعضاً من الوقت لكن رأف الرّب الإله به فلم ينزلق في مزالق الفساد، بل انتشله من الجب من خلال قراءات روحيّة كانت له، فشرع يبحث،على الأثر، عن رجل قدّيس قادر أن يرشده إلى الخلاص رغم الكلام المحبط الذي سمعه من المحيطين به.
قالوا عن زمانه إن رجلاً قدّيساً كالذي يلتمس لا وجود له.
رغم ذلك استمر في البحث إلى أن وجد أباً روحياًّ، راهباً حبيساً في دير ستوديون. هذا كان سمعان التقي. لكن سمعان هذا لم يشأ أن يقتبله راهباً واكتفى بإعطائه كتاب القدّيس مرقص الناسك ليقرأ.
حالما فتح قدّيسنا الكتاب طالعه القول التالي: "إذا كنت تبحث عن الشفاء فاعتن بضميرك واصنع ما يمليه عليك، فتجد المنفعة" (القول ٦٩).
للحال اعتبر وشرع في اتباع ما يشير به. قال له ضميره، محبّة بيسوع، أن يستزيد من الصوم والسهر، فأخذ يفعل كذلك.
 
- معيانته للنور غير المخلوق:
ولم يطل الوقت به حتى تلقّى عربون الحظوة عند الله في معاينة عجيبة للنورغير المخلوق نقلته خارج العالم وخارج جسده. ملأته الفرحة الكبرى وسبح في الدمع حاراً وأخذ يردد بلا توقف ولا كلل: كيرياليصون (يا رب ارحم).
sss  
وفي قلب ذلك النور عاين أباه الروحي سمعان قائماً إلى يمين غيمة مضيئة يعلّمه فن الصلاة دونما تشتت.

وإذ لم تكن خبرته الأولى في معاينة المجد الإلهي مؤسسة على ركائز اللاهوى، فإنّه ما لبث أن سقط في الفتور والتراخي. لكنّه عاد فتاب كما عن خطيئةٍ عظيمة. ولست أو سبع سنوات، بعد ذلك، استمر في علاقته بأبيه الروحي دون أن يسعى إلى الخروج من العالم وبطلانه.
استقر في قلاية صغيرة تحت درج قلاية سمعان أبيه. هناك كان دائم النظر في خطاياه يقوم من الأعمال بأحقرها لاغياً إرادته الخاصة تماماً معتبراً أباه كالمسيح نفسه، لاثماً، بإكرام كبير، كلّ مكان وقف فيه أبوه للصلاة كما لو كان قدس الأقداس.

على هذا، وقد احتمى قدّيسنا بصلاة سمعان، صار بإمكانه أن يرد عن نفسه بلا خوف، هجمات الأبالسة التي حاولت، بكلّ قواها، أن تبث فيه الخوف والكسل والنجاسة والحسد، بكلّ عنف، لتبعث في نفسه اليأس.

- إنتقاله إلى هو دير القدّيس ماما ومعاينته للمسيح:
من دير ستوديون انتقل قدّيسنا إلى دير صغير هو دير القدّيس ماما. 

انضم إليه كطالب رهبنة، لكنّه حافظ على صلته بأبيه الروحي سمعان التقيّ. وقد بقي كذلك إلى أن اقتبل الإسكيم من يده واتخذ اسم سمعان أيضاً.
تلك المناسبة كانت إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من الترقّي الروحي في حياته، فلاذ بالصمت كاملاً وكذا بالصلاة وتأمّل الكتاب المقدّس مكتفياً لجسده من الطعام ببعض البقول.
قلايته، التي لم يعد يخرج منها إلاّ للاشتراك في الخدم الإلهية، أضحت له أتوناً متّقداً غاص فيه بكلّيته ليتحوّل إلى لهب حبٍ نقيٍ كثيراً ما أدخله ربّه، من خلاله، حالة الذهول والدهش.
 سمعان، في إحدى مقالاته، شبّه نفسه برجل شقي بعدما سقط في جب الحمأة سحبه ربّه منها رأفة به، ومن ثم استاقته يد أبيه الروحي عبر فخاخ العدو وصعوبات عاناها جمة إلى ينابيع المياه ليغتسل وينتقي مما علق فيه ويتحول من العمى إلى معاينة الروحيات.
وعلى قدر ما تنقّت بصيرته نعم برؤى نورانية تنامت وضوحاً. وفي نور كالشمس لا هيئة له سقط حجاب عدم الحس لديه، فعاين، شيئاً فشيئاً، وجه المسيح وميّزه بنقاوة متزايدة.
أخذ كما خارج الجسد فصار في ذهول. كلّمه المسيح وأسماه أخاً وربيباً. لم يفهم إلا بعد سلسلة من الرؤى وبعدما استغرق في ذرف الدموع أمام إيقونة والدة الإله أنه اقتنى، داخل قلبه، ذاك الحب مشخصناً الذي هو السيّد نفسه.
 
- إنتخاب سمعان رئيسًل للدير:
ورقد رئيس الدير واختير سمعان خلفاً له.
الحياة الرهبانية هناك كانت متراخية واستحال المكان مدافن للعامة.  فشرع قدّيسنا، مذ ذاك، في إعادة بناء ما تهدّم إلاّ الكنيسة، كما أخذ يستنهض همم الرهبان سعياً لاجتذابهم إلى التماس وجه العلي كما عرفه هو.
كان، لهذه الغاية، يقف واعظاً كالنار ثلاث مرّات في الأسبوع. لم يكتف بتذكيرهم بمبادئ الحياة المشتركة بل نظير "امرء فقير امتلأ محبّة أخوية"، متى حظي ببركة خاصة، ركض إلى رفقة الشقاء فرحاً ليعرض عليهم ما حصل عليه، ويحثّهم على التحرّك بسرعة ليستفيدوا، هم أيضاً، من سخاء الذي أحسن إليه.
هكذا شرع سمعان يكشف لرهبانه العجائب التي تمّمها فيه ربّه مؤكّداً بقوّة أن لنا جميعاً، منذ الآن، في هذه الحياة، أن نبلغ رؤية ملكوت السموات.
هذه الرغبة العميقة في إشراك إخوته بالنعمة التي تلقّى هي التي كمنت وراء الحميمية الشخصية لكتاباته، مما لا نجد له مثيلاً عند الآباء إلا ما ندر.
 
- استقالته واعتزاله:
سنة ١٠٠٥م استقال سمعان من رئاسة الدير واعتزل، حبّاً بالله، في إحدى القلالي ليعطي نفسه بالكامل لسيرة الهدوء المقدّس ويدعم، بالصلاة، جهادات رهبانه كمثل موسى الصاعد إلى رأس التل.
كان قد ألف المشاهد الإلهية وخبر معرفة المستقبلات وما ستؤول إليه الخليقة.
في إحدى الليالي، صار في النور الذي اخترق كلّ أعضائه وجعله، بكلّيته، ناراً ونوراً. وإذا بصوت من فوق يذيع عليه أن هذا المجد الذي جعله يتجلّى، هو إيّاه المدخر للمختارين في القيامة العامة.
مذ ذاك، وقد ملكه الروح القدّوس وصار إلهاً بالنعمة. أخذ يخط مقالاته اللاهوتية والميستيكية.
ومع أن قدّيسنا كان قد بلغ الكمال، على قدر ما هو ممكن للإنسان على الأرض أن يبلغه، فإنّه عانى مشقّات وأتعاباً مستجدّة.
 
- حسد الشيطان ونفي القدّيس:
استفانوس، متروبوليت نيقوميذية، الذي أضحى مساعداً للبطريرك، وكان رجل علم كثير وذا وزن في الأوساط الرسمية كبير، لما رأى ما تمتّع به سمعان من مكانة في نفوس الكثيرين، حسده وأخذ يتحيّن الفرص للطعن فيه وإخزائه.
أثار معه إحدى المسائل اللاهوتية الحسّاسة، فأعطاه القدّيس جواباً باهراً في شكل أبيات شعرية.
مما قاله له أن الكلام في اللاهوت لا يكون إلا لمن خبر الروح القدس.
هذا الجواب أثار حقد الأسقف، فعمل كلّما وسعه للإطاحة بسمعان إلى أن تمكّن سنة ١٠٠٩م من استصدار أمر بنفيه.
فلقد اتُهم بأنه يكرّم، كقدّيس، رجلاً خاطئاً هو سمعان التقي، أبوه الروحي.
فإن قدّيسنا كان قد استصنع إيقونة لأبيه بعد رقاده، وهيأ لإكرامه خدمة ليتورجية، وبقي ستة عشرة عاماً يقيم له تذكاراً سنوياً في حضور جحافل من المؤمنين.
أقام قدّيسنا في منفاه، في عز الشتاء، فوق هضبة قاحلة من ناحية خريسوبوليس. وبقي هناك إلى أن تدخّل تلاميذه والمعجبون لدى البطريرك.
 
- إطلاق سراحه:
إثر ذلك مثل أمام السينودس. ولما فاتحوه بموضوع أبيه الروحي رفض أن يتنازل عن إكرامه له.
وكانت النتيجة أن رضخ البطريرك وأطلق سمعان قائلاً: "إنك لراهب ستوديتي لا غش فيه، لك حبّك العميق لأبيك الروحي، ولكن لك أيضاً عناد الستوديين. ولعل في موقفك ما يستحق المديح!"
إثر عودة سمعان تلقّى المزيد من النعم الإلهية رغم ما أثارته عليه الأبالسة. وبإلهام الروح القدس تابع تأليف نشائده ووضع مقالاته التي علّم فيها أنه لا غفران الخطايا ولا التقديس يعطى لأحد من غير الاستقرار الواعي لنعمة الروح القدس فينا.
هذه النعمة لم تجعل سمعان في ذهول وحسب، بل أجرت به عدداً من العجائب تخفيفاً عن تلاميذه وتعزية لزائريه.
 
- رقاده
ولما بلغ سمعان شيخوخة متقدمة أصابه مرض في الأحشاء مؤلم طال أمده وسمره في فراشه بلا حراك.
رغم هذه العلّة عاينه أحد تلاميذه، أثناء صلاته، يرتفع عن الأرض محاطاً بنور لا يوصف. 

أخيراً عرف بدقّة يوم مماته، وكذلك يوم نقل رفاته بعد ثلاثين سنة من ذلك، فرقد في الرّب في ١٢ آذار ١٠٢٢م مكمّلاً بالفضائل.