أحد القدّيس يوحنّا السلّمي



 

 أحد القدّيس يوحنا السلمي الأحد االرابع من الصوم الأربعيني المقدس
أحد القدّيس يوحنا السُلّمي

الرسالة
الرّب مرساة خلاصنا
(عبرانيين 6: 13-20)

st-paul1

1- لا يحتاج الله إلى قسم لكنّه تنازل ليُفهمنا أهمية مقاصده وعدم تغيرها.
2- يقتبل الله أن يقول أشياء لا تليق بجلاله من أجلنا، عندما يقسم ليثبّت وعده. أمّا بالنسبة إلى إبراهيم فيظهر أن كلّ شيء يعود في النهاية إلى الله، بالرغم من صبر إبراهيم، كون الله يقسم بنفسه. ولا يتساوى الإنسان مع الله في القسم، إذ إن الإنسان لا يسود على نفسه ولا يستطيع أن يقسم بها.
3- إن ما حصل مع إبراهيم يرشدنا إلى ما سيحصل في المستقبل. إن كانت المواعيد الأرضية تحقّقت بعد وقت طويل، بعد صبر، فكم بالأحرى سوف تتحقّق المواعيد السماوية أيضاً مع صبرنا وإيماننا.
4- كما أن المرساة عندما تُلقى من المركب لا تدعه يذهب إلى هنا وهناك حتى لو ضربته رياحٌ شديدة بل تجعله ثابتاً، هكذا يكون مع الرجاء. فلو لم نكن حاصلين على الرجاء، لكنّا غرقنا من زمن طويل.
5- يمكن لكل واحد أن يرى في الرجاء قوة كبيرة كما هي الحال في التجارة، في الفلاحة والحرب. لو لم يكن الرجاء أمامه لما استطاع أن يقوم بأي عمل.
6- لم يكتف الرسول بولس بكلمة "مرساة" بل أضاف "مؤتمنة وثابتة" لكي يُظهر ثبات أولئك الذين يستندون إليها من أجل خلاصهم. ولذلك يضيف أيضاً تدخل إلى ما داخل الحجاب. لكن ماذا يعني ذلك؟ قال هذا قاصداً أنها تصل إلى السماء.
7- يتكلم الرسول بولس أيضًا عن اللإيمان مضافًا إلى الرجاء، حتى لا يبق الرجاء وحده. بعد القسم يُظهر أموراً تحققت قائلاً إن يسوع دخل كسابق لأجلنا، والسابق يسبق أناساً آخرين كما سبق يوحنا المسيح، فمن المنتظر أن نتبعه. لسابق والتابعون كلاهما على طريق واحدة، الأول يسير والآخرون يحاولون إدراكه.
8- "صائراً على رتبة ملكي صادق" هذه تعزية أخرى كون رئيس كهنتنا موجود في السماء وهو أفضل من رؤساء الكنهة اليهود، ليس فقط من حيث الطريقة بل أيضاً من حيث المكان والهيكل والعهد والوجه، وكل هذا نسبةً إلى طبيعته الإنسانية.

كلمات آبائية
"للقدّيس يوحنا الذهبي الفم"

 

الإنجيل
"أعن يا سيّدُ عدم إيماني"
(مرقس 9: 17- 31)

Markos

1- الرّب أعطى الإنسان نعمًا باسمه، ولكن على الإنسان أن يتنقّى ليحافظ عليها ويفعّلها.
2- الصلاة والصوم سلاحان لا يجب على المسيحي إهمالهما أو التخلّي عن نعمتهما.
3- شفاء النفس والجسد يقوم بالدرجة الأولى على الإيمان الثابت بالرّب يسوع.
4- يقول القديس يوحنا السلمي: "الإيمان هي أم الفضائل".
5- جيّد أن يعترف الإنسان بضعفه أمام الرّب.
6- الصلاة والصوم تساعدان الإنسان للرجوع إلى الحالة الملكوتيّة الأولى التي نفقدها بالخطيئة.

 

st-jean-climatique

فصل من رِسالةِ الْقِدِّيسِ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى العِبْرَانِيِّينَ
(عبرانيين 6: 13-20)

الربُّ يُعطي قوةً لشَعبْه قدّموا للرّب يا ابناءَ الله


يا إخوة، إنَّ الله لما وَعَدَ إبراهيمَ، إذ لم يُمكِن ان يُقسِمَ بما هُوَ أعظَمُ منهُ، أقسَمَ بنفسِهِ قائلاً: لأباركَنَّكَ بركةً وأُكثِّرنَّكَ تكثيراً. وذاك إذ تَأنّى نالَ الموعد. وإنّما الناسُ يُقسِمونَ بما هُوَ أعظَمُ منهمُ، وتنْقَضِي كلُّ مُشاجَرَةٍ بينُهم بالقَسَم للتَثْبيتِ. فَلِذلك، لمَّا شاءَ اللهُ أنْ يَزيد وَرَثَةَ الموعِد بَيَاناً لعدَمِ تَحوُّلِ عزْمِهِ، توسَّط بالقسَم حتَّى نَحصُلَ، بأمْرَيْنِ لا يتحوَّلان ولا يُمكِنُ أن يُخِلِفَ اللهُ فيهما، على تعْزيَةٍ قوَّية نحنُ الذين التجأنَا إلى التَّمَسُّكِ بالرَّجاءِ الموضوعِ أمامَنا، الذي هو لنا كَمِرساةٍ للنَفْسِ أمينةٍ راسِخةٍ تَدْخُلُ إلى داخِلِ الحِجاب حيث دَخَل يسوعُ كسابقٍ لنا، وقَدْ صارَ على رُتبةِ مليكصادَق، رئيس َكهنةٍ إلى الأبَدِ.

فصل شريف من بشارة القدّيس مَرْقُسَ الإنجيلي البشير
(مرقس 9: 17- 31)

في ذلك الزمان، دنا إلى يسوع إنسانٌ وسَجدَ له قائلاً: يا مُعَلِّمُ قد أتيْتُك بِابْني بِه روحٌ ْأبْكَم، وحيثما أخذهُ يصرَعُهُ فيُزبْدُ ويصرْفُ بأسنانِه وَييبَس. وقد سألتُ تلاميذَكَ أن يُخرجوهُ فلم يَقدِروا. فأجابَهُ قائلاً: أيُّها الجيلُ غيرُ المؤمِن، إلى متى أكونُ عِندَكُم؟ حتّى متى أَحْتَمِلُكُم؟ هَلمَّ بهِ إليَّ. فأَتَوهُ بهِ. فلما رآهُ للوَقتِ صَرَعَهُ الروحُ فسَقَطَ على الأرض يَتَمَرَّغُ ويُزبدُ. فسأل أباهُ: منذ كَمْ مِنَ الزمان أصابَهُ هذا؟ فقالَ: مُنذُ صِباهُ، وكثيراً ما ألقاهُ في النار وفي المياهِ ليُهلِكَهُ، لكنْ إنّ استَطَعْتَ شيئاً فَتَحَنَّنْ علينا وأغِثنا. فقال لَهُ يسوعُ: إن استَطَعْتَ أن تُؤمِنَ فكُلُّ شيءٍ مُستطاعٌ للمؤمِن. فصاحَ ابو الصبيّ مِنْ ساعَتِه بدموع وقالَ: إنّي أُومِنُ يا سيِّد، فأغِث عَدَم إيماني. فلمّا رأى يسوعُ أنَّ الجميعَ يتبادَرون إليهِ انتهَرَ الروحَ النجِسَ قائلاً لَهُ: أُّيُّها الروحُ الأبْكمُ الأصَمُّ، أنا آمُرُكَ أن أخرُج مِنهُ ولا تعُدْ تَدخُلُ فيه، فصرَخَ وخبَطهُ كثيراً وخرجَ مِنهُ فصارَ كالمَيْت، حتّى قال كثيرون إنَّه قدْ ماتَ. فأخذَ يسوعُ بيدِه وأنهضه فقام. ولمّا دخلَ بيتًا سأله تلاميذه على انفراد: لماذا لم نستطع نحن أن نخرجَه؟ فقال لهم: إنّ هذا الجنسَ لا يُمكِنُ أن يخرجُ بشيء إلّا بالصَّلاة والصَّوم. ولمّا خرجوا من هناك اجتازوا في الجليل ولم يُرِدْ أن يدريَ أحَدٌ، فإنّه كان يُعَلِّمُ تلاميذَه ويقولُ لهم: إنَّ ابنَ البشرِ يُسَلَّمُ إلى أيدي النَّاس، فيقتُلُونَهُ، وبعد أن يُقْتَلَ يقومُ في اليوم الثَّالِث.

 

 
القدّيس يوحنا السُلّمي - سيرة حياته

ميلادُهُ:
ولد يوحنا، كما يبدو، في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي.

ترهبُهُ:
بعد أن بلغ يوحنا السادسة عشر، وتلقّى من العلم قدراً وتفتّح ذهنه، مجّ مفاتن حياة البطلان، حبّاً بالله، وطلب جبل سيناء. حيثُ تكثرُ المناسك والأديرة الرهبانية.
ومنذ أن دخل حلبة الصراع الرهباني، تخلّى عن كلّ ثقة بالنفس وسلك في أتّضاع القلب مسلّماً ذاته، في الجسد والروح، إلى شيخ اسمه مرتيريوس، وشرع بلا همّ أرضي يرتقي سلّم الفضائل. همُّه الأوحد أضحى أن يتخلّى عن مشيئته الخاصة.

تنسُّكُهُ:
أمضى يوحنا، تسعة عشر عاماً سالكاً بالطاعة، محفوظاً بصلاة أبيه الروحي. فلمَّا رقد معلّمه في الرّب قرّر مواصلة ارتقائه في الوحد.
بعدما ترسّخ في الاتضاع، عبر العزلة الكاملة حتى لا يُوجَد محروماً ولا للحظة  من عذوبة الله. حتى في هذا الأمر لم يعتمد على رأيه الذاتي بل على نصيحة شيخ آخر قدّيس، يُدعى جاورجيوس، أطلعه على نمط الحياة الخاصة بالهدوئيين. وقد اختار يوحنا، لذلك، موضعاً معزولاً يُعرف بـ "تولا" على بعد خمسة أميال من الدير الكبير.
st-j1
لازم يوحنا المكان أربعين سنة مشتعلاً بحب الله المتنامي في قلبه أبداً لم يشغله خلالها شيء غير الصلاة المتواترة ويقظة القلب كمثل ملاك بالجسد.

كان يحدث له أحياناً أن يُخطف في الروح وسط الأجواق الملائكية دون أن يعرف ما إذا كان، ساعة ذاك، في الجسد أو خارج الجسد. وبحرّية بالغة كان يطلب من الله أن يلقّنه أسرار اللاهوت. ولما كان يخرج من أتون الصلاة كان يشعر بالنقاوة تارةً، كما لو خرج لتوّه من النار، وتارةً أخرى يلتمع ضياءً.

رئيساً لدير سيناء:
لما أكمل قدّيسنا سنواته الأربعين مقيماً في البرّية كموسى آخر، اختير رئيساً لدير سيناء. فكان راعياً ممتازاً وطبيباً حاذقاً ومعلّماً حاذقاً يحمل في نفسه الكتاب الذي وضعه الله فيه حتى لم يعد في حاجة إلى كتب أخرى يُلقّن رهبانه بواسطتها علم العلوم وفنّ الفنون.

صيت دير سيناء ذاع لنمط حياة رهبانه، الذي وضعه لهم رئيسهم الفاضل. هذا ما جعل من الدير منارةً لكل الرهبان والحجاج الذين راحوا يأتونه من كُلِّ حدبٍ وصوب.

مؤلّفاته:
لمَّا ذاع صيتُ الحياة الرهبانية ونمطها في دير سيناء، بفضل حكمة ودراية القدّيس يوحنا، كَتَبَ يوحنا رئيس دير رايثو، إلى قدّيسنا يطلب منه أن يكتب، بصورة واضحة ومنظّمة ومقتضبة، ما هو ضروري لنوال مقتبلي الحياة الملائكية الخلاص.

على هذا انبرى يوحنا يُحرِّر ألواح الناموس الروحي،  فكان ثمرة جهده كتاب "السلَّم إلى الله" الذي أضحى في الأدب النسكي، مرجعاً كلاسيكيّاً أساسيّاً في أصول الحياة الروحيّة، على مدى الأجيال.

فكرة الكتاب تقوم على أن "الوصول إلى الكمال الروحي" ويستدعي "التدرّج في الفضائل" كمن يصعد "السلّم" وكلّ درجة فضيلة، وهو مستوحى من رؤيا يعقوب في العهد القديم (تكوين 28 : 12-13). 

أمّا الشيطان فيقوم بمحاربتنا عبر أفكار شريرة لإسقاطنا عن سلم الله إلى الهاوية ( وهذه هي التجارب). 

وقد عدّد القدّيس تلك الفضائل (الدرجات) ، وجعلها ٣٠ درجة، وهي توافق عدد سنوات الرّب يسوع المسيح على الأرض قبل بدء رسالته التي دامت ثلاث سنوات بعدها، أي صُلب بعمر ال ٣٣ سنة. 

أولى هذه الدرجات "الزهد" ونذكر من أهم الدرجات الأخرى : 
الدرجة الرابعة : الطاعة ، السادسة : ذكر الموت ، ال ١١ : الصمت ، ال 12 : في التغلب على الكذب ، ال٢١: في التغلّب على الجبن العديم الرجولة ، ال ٢٥ : في التواضع ، ال ٢٦ : في التمييز ال٢٩ : اللاهوى ... وأهمها الثلاثون: ويجعلها "ثالوثاً" : "الإيمان والرجاء والمحبة" .

وتشدد الكنيسة في هذا الأحد من الصوم على التحلي "بالفضائل" المذكورة ، وتشبه مسيرة الصوم نحو القيامة المبتغاة والتجارب التي نتعرض لها ، بسلّم الفضائل هذا.

رُقادُهُ:
بعد سنين الجهاد المضني، لبلوغ حياة القداسة،عيّن القدّيس يوحنا أخيه جاورجيوس رئيساً للدير بعد أن شعر بدنوِّ أجله. وهكذا أسلم روحه مودعاً إياها بين يدي الأب السماوي، لتنعمَ بالبركة والمحبَّة السماوية حيثُ السلام الذي لا بديل عنه، مهما علا شأن البديل.

زمن رقاده غير معروف، لكنّه على الأرجح ما بين القرن السادس والنصف الأوّل من القرن السابع للميلاد. 

 
في الكبرياء - للقدّيس يوحنا السُلّمي

st-2 الكبرياء جحود لله، صنع الشياطين، ازدراء للناس، أم للادانة، ابن للمدائح، علامة للعقم، ابتعاد عن معونة الله، نذير بضلالة العقل، نصير للسقطات، علة للعصبية، ينبوع للغضب، وليّ لقساوة القلب، جهل بالحنوّ، محاسب مُرّ، قاض ظالم، خصم لله، وأصل للتجديف.
حيثما حلت سقطة فهناك سبق وسكن الكبرياء، لأن حضور الكبرياء ينبئ بحلول السقطة … فان كان ملاك قد سقط من السماء لكبرياءه فقط دون أي هوي آخر، فلننظر لعلنا نستطيع الصعود الي السماء بالتواضع فقط دون أية فضيلة أخري، فإن التكبر اتلاف لمكاسبنا واتعابنا.
عاتب شيخ أحد الأخوة علي تكبره معاتبة روحية، فأجاب الأخ: "اغفر لي يا أبي فاني لست متكبراً" ، فقال به الشيخ كليّ الحكمة: "يا ولدي، أي برهان تعطينا علي تكبرك أوضح من قولك: "لست متكبراً".".
من الخزي أن يفتخر الانسان بمحاسن غيره، ولكنه منتهي الجنون أن يتباهي بمواهب الله فيه، ان أردت أن تفتخر فافتخر بما حققته قبل أن تولد، لأن ما حققته بعد ولادتك قد وهبك الله اياه كما سبق ووهبك الولادة نفسها، وكل الفضائل التي صرت فيها حكيماً بغير عقلك هي وحدها التي حقاً لك، لأن العقل قد وهبك الله اياه، بالمثل كافة المحاربات التي خضتها بدون جسدك هي وحدها التي تمت بهمتك أنت، لأن جسدك ليس لك بل هو خلقة الله.
لا تطمئن الي ذاتك ومصيرك قبل صدور الحكم الأخير عليك، ولا تتشامخ وأنت من الأرض، لأن كثيرين قد أهبطوا وقد كانوا في السماء.
ان الغرور ينشأ من نسيان الزلات، لأن ذكر الزلات يؤدي الي الاتضاع، فالكبرياء طامة كبري لنفس فقيرة تتوهم الغني ! فتكون في الظلام وتتخيل النور، إن الكبرياء النجس لا يمنعنا من التقدم فقط، بل يسقطنا أيضاً من علو الفضائل، لأن المتكبر لا يحتاج الي شيطان لاسقاطه، لأنه قد صار شيطاناً وعدواً لذاته. فكما ان الظلام غريب عن النور، فان المتكبر غريب عن الفضيلة. ففي قلوب المتكبرين تنشأ أقوال التجديف بينما في نفوس المتضعين تأملات سماوية.

"عن الدرجة الثالثة والعشرين من السلم إلى الله"