إصدارات جديدة لمؤرّخ الكرسيّ الأنطاكيّ أسد رستم

2022-03-01

توطئة
صاحب الغبطة البطريرك يوحنّا العاشر

"الصدّيق كالنخلة يزهر، وكمثل الأرز في لبنان ينمو" (مزمور ١٢:٩٢).

أسد رستم، مؤرّخ الكرسيّ الأنطاكيّ، عَلَمٌ من أعلام الكنيسة وكبير رواد علم التأريخ الحديث في مشرقنا العربيّ. قلّة عزيزة من علماء القرن العشرين تمايزوا في بلادنا بغزارة عطائهم وبرصانة نتاجهم العلميّ التمحيصيّ المنهجيّ المنير لمسالك البحث والتحقيق مثلما برز أسد رستم وتمايز. والأكثر ندرةً أن تصاحب دقّةَ المنهج لدى العالم رجاحةُ المعايير وما يُستدلّ عليه منها من صفاءٍ في الرؤيا التاريخيّة والنظرة النقديّة الثاقبة للجزئيّات والكلّيّات في مندرجات تاريخ الشعوب وفكرهم.

إنسان عرف تاريخ منطقتنا وجذوره وامتداده مع تداعياته السياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة والحضاريّة، فاجتهد في إبراز ما هو نفيس قيّم لبنيان معارف أجيالنا ولصقل ثقافتهم. أدرك أنّ التاريخ ذاكرة الشعوب ومبدأ هويّتها، واستقبح التفكّر الإيديولوجيّ الذي يبدّد موضوعيّة البحث ويحني أعناق النصوص والمصادر لينشر بالدعاية المسطّحة فكرًا ضبابيًّا يضحّي بأصالة الكتابة العلميّة.

دراسته "مصطلح التاريخ" ومناهج التدوين والنقد التاريخيّين، انكبابه على مخطوطات مشرقنا في محفوظات بلادنا العربيّة وما بات منها في مكتبات أوروبا وأميركا، تبحّره في المصادر القديمة العربيّة واليونانيّة واللاتينيّة، وعلمه بالدراسات المعاصرة والمقاربات المستجدّة لمجال بحثه، جعلت منه حجّة ومرجعًا فريدًا. على يديه نشأ كبار العلماء المختصين، فكان مدرسة خدمت مجتمعات مشرقنا وقدّمت لها كبار الشخصيّات السياسيّة والعلميّة. حضوره في غير قليل من الهيئات الجامعيّة والثقافيّة، ومشورته في تأسيس الجمعيّات والمتاحف والمكتبات وفرق البحث وورش العمل الأكاديميّ، كانا خير إسهام في إرساء هويّة مجتمعاتنا التاريخيّة والحضاريّة.

أمّا عشقه لما هو أصيل ومتجذّر، وبحثه الدؤوب عن الحقيقة التاريخيّة، فقد اقتاداه إلى حضن الكنيسة الأرثوذكسيّة، حيث في حنايا تقليدها، وفي تعليم آبائها، وفي تكسّر أمواج التاريخ العاتية على مجاذيفها وأشرعتها، عثر على "اللؤلؤة الثمينة" (متّى 13: 46) التي باع أسد رستم كلّ شيء من أجل اقتنائها. فعاد إليها بشوق وشغف، وأحبّ جمال بيت الآب، أبي الأنوار، وكرس ذاته من لحظة العودة هذه للشهادة للكنيسة الواحدة الجامعة المقدّسة الرسوليّة، انطلاقًا من مدينة الله العظمى أنطاكية "حيث دعي التلاميذ مسيحيّين أوّلًا" (أعمال ٢٦:١١).

لأجل ذلك، ولكي نضع السراج المضيء على المنارة، كما يوصينا الإنجيل، قررت بطريركيّة أنطاكية وسائر المشرق أن تعمل على نشر الأعمال الكاملة لمؤرّخها أسد رستم، لا سيّما أوراقه وكتبه القيّمة غير المنشورة من قبل، لتكرّم، كما يليق، من كان ابنًا وفيًّا لها، ومن قدّم لها خير عطاءاته العلميّة قربانًا باقيًا في ذاكرة المؤمنين، وشعلة علم تحرّكنا نحو حبّ المعرفة والتماس عطايا الله، واستعلان يمينه العزيزة في الصيرورة التاريخيّة.
نشكر أبناء أسد رستم على تعاونهم وتقديمهم ما يملكون من نصوص وحقوق نشر من أجل تحقيق هذا العمل القيّم، وكلّ الذين سهروا من أبنائنا في الكنيسة على إنجازه.

دمشق في ٨ أيار ٢٠٢١
عيد القدّيس يوحنّا الإنجيليّ اللاهوتيّ

يوحنّا العاشر
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق