كلمة البطريرك يوحنا العاشر في افتتاح مستشفى د.…

2020-10-02
كلمة البطريرك يوحنا العاشر في افتتاح مستشفى د. فرزات أيوب الجامعي
جامعة الحواش، ٢ تشرين الأول ٢٠٢٠
صاحبي الغبطة،
أصحاب السيادة،
أيها الأحبة،
في وادينا الحبيب يطيب اللقاء وبين أحبة وأعزاء يسمو ويرتقي.
نجتمع اليوم ههنا في جامعة الحواش، ونحن العارفون بما يحمله اسم الحواش من عراقة وعزة، لنفتتح هذا المستشفى الجامعي الذي يحمل اسم د. فرزات أيوب. نجتمع لنؤكد أولاً وأخيراً أننا من صلب هذه الأرض ومن رحمها نتطلع إلى خيرها بخير إنسانها أولاً وأخيراً.
نجتمع وفِي قلب كل منا ترتسم صعاب هذي الدنيا وصليب هذا الشرق وجلجلة إنسانه. ورغم كل ذلك، نضع حجر أساس ونبني جامعات ومستشفيات ومؤسسات ونبذل من دمنا ومن قلبنا لنترك للأجيال القادمة غداً أفضل.
الحضارة أولاً وأخيراً حضارة الروح وحضارة الفكر. والتاريخ تاريخ فكرٍ وتاريخ روحٍ. والفكر السليم والروح السليم عماد كل حضارة وتمدن.
نقول كل هذا واضعين نصب أعيننا أن مجد الوطن ومجد أبنائه وخيرهم هو تربية الجيل الخلاق والمبدع. ومن هنا أهمية الجامعات ودورها الأساس في بناء وطن ومجتمع سليم.
مجد الأوطان جامعات تربي ولا تكتفي بنفع. مجدها جامعات تبني جسور التلاقي وتهدم أبراج التقوقع. مجدها جامعات تنظر بعين إلى روح الإنسان ونفسه وتنظر بالعين الأخرى إلى جسده ومحيطه. ومن هنا أهمية العلم الطبي وأهمية هذا المستشفى.
الجامعة وكما يدل اسمها هي "أم العلوم". والعلم أولاً وأخيراً فكرٌ متّقد ومتّضع وخلقٌ نبيل نربي عليه أبناءنا. وهذا الأمر مطلوب في كل الفروع وفِي كل الاختصاصات. إلا أن ما يستوقفني دائماً في كليات الطب والعلوم الطبية هو ذلك القَسَم الذي يتفوه به الخريجون ويتميزون به عن طلاب الفروع الأخرى. وهذا الشيء الأخير إن دل على شيء، إنما يدل على أن الله قد وضع الأرواح، التي نفخها هو وأعطاها شيئاً من روحه، وديعةً في أيديهم وعليهم دوماً أن يتأملوا عظم هذه المهمة الملقاة على أكتافهم وأن يتذكروا دوماً أن عين الله تراقبهم وتلحظهم وترعاهم وأن يده معهم في اجتراح كل ما هو للخير.
ينطلق هذا المستشفى اليوم لنقول إن إرادة الحياة في سوريا لا بد وأن تكسر كل حصار. نقوم بذلك لنقول إننا أبناء الحياة التي لا تعرف استكانة ولا خنوعاً ولا تذللاً لأحد. نقوم بذلك لنقول إننا مع الحق نبقى ومن مَعين هذا الحق إلهِنا نستمد الفرج في كل شدة.
نحن اليوم في وادي النصارى وفي وداي النضارة الذي يتّشح مسيحيته ونصرانيته كينونةً وهويةً مستمدّةً من عراقة ونضارة إيمان أبنائه. كما ويستمد نضارته ورونقه من عيشهم دوماً وأبداً في أفضل علاقة مع كل جوار.
يختصر هذا الوادي شيئاً من شخصية كنيسة أنطاكية. حافظ أبناؤه على عراقة إيمانهم التي عاشوها وسط شعابه وجباله وسهوله. لكنهم في الوقت نفسه لم يثملوا في مجد الماضي وفِي التقوقع فكانوا دوماً دعاة فكر وتلاقٍ فكري ومجتمعي مع سائر أطياف هذا البلد.
صلاتنا اليوم وأبداً من أجل خير سوريا وسلامها ووحدة أراضيها. صلاتنا من أجل كل مهجر ومحتاج ويتيم. صلاتنا من أجل العين الساهرة على أمنها واستقرارها. صلاتنا إلى العذراء مريم وإلى القديس جاورجيوس وسائر القديسين من أجل راحة نفوس شهداء الوادي وسائر الشهداء.
صلاتنا من أجل المخطوفين كل المخطوفين ومنهم أخوانا مطرانا حلب يوحنا ابراهيم وبولس يازجي. وما أتعسها أياماً تُمتهن فيها كرامة الانسان كائناً من كان تجويعاً حصاراً وعنفاً وخطفاً في سوق المصالح والاستثمار.
ورغم كل شيء ورغم كل صعوبة، نبقى على الرجاء ونذْكر دوماً أن درب الصليب فتحت نور القيامة.
بارك الله القيمين على هذه الجامعة وعلى هذا المستشفى وأخصّ بالذكر السيد كامل أيوب. بارك الله هذه البلدات الطيبة وهذا الجوار الطيب. بارك الله هذا الوادي بكل أبنائه في الوطن وفِي الاغتراب.
بارك الله هذه الأرض الطيبة زيتوناً طيباً وخبزاً ممزوجاً بعرق الآباء والأجداد. باركها الله ماءً عذباً يحن إليه المغتربون وسلاف محبةٍ صافية تقطر من كرومه المباركة. باركها الله "فواراً" فائضاً سلاماً وعراقةَ محبّةٍ وإيمانٍ للدنيا بأسرها.
بارككم الله جميعاً.