النبوءة

النبوءة والأنبياء في الإيمان المسيحيّ

- تعريف لغوي:

النبوءة في المفهوم اللغوي هي تنبؤ ومعرفة الغيب والمستقبل وما قد يحدث.

- تعريف كنسي:

النبوءة هي إعلان كلمة الله بواسطة الروح القدس ودعوة للعودة إلى طريق الرب بالتوبة، وقد يكون فيها تنبوء بأحداث ستحصل في المستقبل وأمور أخرى.

الله وحده يعرف المستقبل، وقد منّ على الأنبياء والقديسين بهذه النعمة.

صفحات الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد وحياة القديسين تشهد على ذلك. أمثال إشعياء النبي ودانيال وغيرهم، (عهد قديم)، والإنجيلي يوحنا اللاهوتي والقديسين أرسانيوس الكبادوكي وبورفيريوس الرائي وآخرين.

للأسف الشديد ما زال هناك أناس كثيرون اليوم يعتقدون بأناس يتنبأون خارج روح الله مثل العرافين والمنجمين وما شابه. طبعًا، هذا كلّه خرافات.

- جذر الفعل:

الفعل في اليونانيّة προφητεύω أي προ قبل، وφημί أقول، فيصبح المعنى "أقول قبل" أي أتنبأ. 

- مقدّمة:1

كل الحضارات القديمة قبل المسيح عرفت ما يسمّى بالعرّاف مِن فعل عرف، وبالمنجّم أي من ينظُر في النّجوم يحسُبُ مواقيتَها وسيرَها ويستطلع من ذلك أَحوالَ الكون، والمبصّر الذي يبصر، والرائي الذي يرى الغيب، وقارئ الكف والفنجان وضارب المندل وما شابه. وكان للمنجّمين والعرّافين دور في الحروب والسياسة وأمور أخرى، فإذا أصابوا كوفئوا وإذا أخطأوا عوقبوا. كما كانوا يُعتبرون أنبياء الآلهة الوثنية، يقصدهم الناس ويدفعون لهم أموالًا مقابل تنبؤاتهم.

- في الكتاب المقدّس:

أمّا في مفهوم الكتاب المقدّس فالأمر مختلف تمامًا، فالنبيّ هو من يعلن: عن المسيح (في العهد القديم)، أو تعليم إلهيّ ما، أو تحذير إلهيّ للتوبة. ففي العهد القديم مثلًا يوجد ما يزيد على ثلاث مئة نبوءة عن المسيح الرّبّ المخلّص.

نقرأ في أحداث العهد القديم عن كثيرين أعلنوا كلمة الله للشعب اليهودي، وكانت سيرتهم فاضلة من رجال ونساء. أوّل من دعي نبيًّا كان إبراهيم، إذ قال الله لأبيمالك عنه "إنَّهُ نَبِيٌّ فَيُصَلِّيَ لاجْلِكَ فَتَحْيَا" (تك٧:٢٠).

ونعرف مِن سيرة حياة الأنبياء كم تعرّضوا للاضطهاد، فيقول بولس عنهم: "رُجِمُوا، نُشِرُوا، جُرِّبُوا، مَاتُوا قَتْلًا بِالسَّيْفِ" (عب٣٧:١١-٣٨). كان هذا كلّه من أجل الإيمان الحق.

يُعتبر القدّيس يوحنا المعمدان آخر أنبياء العهد القديم، بمعنى هو آخر نبي تكلّم على مجيء الرّبّ يسوع المسيح.

- النبوءة في العهد الجديد:

أمّا في العهد الجديد فتطلق كلمة "نبيّ" على من يعلن كلمة الله وهو رجل صلاة. الرسل وبولس الرسول كانوا أنبياء، وهذا الأمر مستمر مع كثير من القديسين لأن الروح القدس هو روح نبوءة (بورفيريوس الرائي، بايسيوس...).

هذا تحديدًا ما قاله بطرس الرسول في عظته يوم العنصرة مستشهدًا بيوئيل النبيّ "يقول الله: أسكب من روحي في تلك الأيام فيتنبأون" (أع ١٧:٢).

أعمال الرسل يذكر أنبياء انحدروا من أورشليم إلى أنطاكية، ويخص أغابوس الذي تكلّم على مجاعة آتية (أع ٢٧:١١-٢٨)، وعلى أنبياء ومعلّمين فِي أَنْطَاكِيَةَ (أع ١:١٥)، كذلك يهوذا وسيلا دعيا نبيّين (أع ١٥: ٣٢). وأيضًا بنات فيلبس المبشّر الأربع (أع ٢١: ٨-٩).

إذًا النبوءة في المسيحيّة هي لبنيان الكنيسة لأن مصدرها روح الله نفسه "مَنْ يَتَنَبَّأُ فَيَبْنِي الْكَنِيسَةَ" (١كور ٤:١٤). وروح النبوءة يختار خدّامًا للمسيح أمثال شاول (بولس) وبرنابا (أع ٢:١٣)، تيموثاوس (١تي ١٨:١ – ١٤:٤).
 

- الأنبياء لكذبة:

بالمقابل، يأتي الإنجيل على ذكر أنبياء كذبة.

في عهد النبيّ إيليّا مثلًا، جمع الملك اخاب أربع مئة رجل من الأنبياء الكذبة ليأتوا من نبوءات على خاطره بعكس مشيئة الرب (٢أخ ١٨: ٤-٧). الأمر نفسه يحذّر مِنه بولس الرسول تيموثاوس فيقول له: "سَيَكُونُ وَقْتٌ لاَ يَحْتَمِلُونَ فِيهِ التَّعْلِيمَ الصَّحِيحَ، بَلْ حَسَبَ شَهَوَاتِهِمُ الْخَاصَّةِ يَجْمَعُونَ لَهُمْ مُعَلِّمِينَ مُسْتَحِكَّةً مَسَامِعُهُمْ، فَيَصْرِفُونَ مَسَامِعَهُمْ عَنِ الْحَقِّ، وَيَنْحَرِفُونَ إِلَى الْخُرَافَاتِ." (٢تي٣-٤).

وقد حذرنا الرب بوضوح تام ودعانا إلى تمييز الثمار الجيّدة من السيّئة: "احْتَرِزُوا مِنَ الأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَةِ الَّذِينَ يَأْتُونَكُمْ بِثِيَابِ الْحُمْلاَنِ وَلَكِنَّهُمْ مِنْ دَاخِلٍ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ!" (متى ٧: ١٥).

وفي كلامه على اليوم الأخير قال الرّب: "سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضاً" (متى ٢٤: ٢٤).

الختام مع سفر الرؤيا الذي يتكلّم على "النَّبِيِّ الْكَذَّاب" الذي يضل الشعوب لكنّه ينهزم أمام الله. (رؤ ١٣:١٦).

- خلاصة:

 تحذير الله لنا من الوقوع في الأضاليل وفخاخ الشيطان والنبوءات الكاذبة مستمر" أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لا تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ. بِهذَا تَعْرِفُونَ رُوحَ اللهِ: كُلُّ رُوحٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ فَهُوَ مِنَ اللهِ، وَكُلُّ رُوحٍ لاَ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ، فَلَيْسَ مِنَ اللهِ." (١ يو١:٤-٣).

نهايةً، النبي هو مًن يعلن كلمة الله ولا شيء من عنده، لأن المسيح هو حجر الزاوية وكل شيء مؤسس عليه. (أف ٢٠:٢)." فلنقل مع ميخا النبيّ (٦٩٣-٧٥١ ق.م): «حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ، إِنَّ مَا يَقُولُهُ إِلهِي فَبِهِ أَتَكَلَّمُ»." (٢أخ ١٣:١٨).