رسالة الصوم الأربعيني المقدس 2026



برحمة الله تعالى
يوحنا العاشر
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس
 
إلى
إخوتي رعاة الكنيسة الأنطاكية المقدسة
وأبنائي وبناتي حيثما حلوا في أرجاء هذا الكرسي الرسولي
أيها الإخوة والأبناء الروحيون الأعزاء،
على أعتاب الأربعينية المقدسة، تقف بنا الكنيسة وتدعونا عبر آحاد تهيئتها للصوم أن نكون خدراً لذاك الختن السماوي، المسيح الإله. على أعتاب هذه الأربعينية تقف بنا الكنيسة وتضعُ نصب أعيننا أن الله يريدنا خدراً مزيناً بتواضع العشار وبتوبة الابن الضال وبافتقاد أخينا في الإنسانية وبالشوق إلى الفردوس المفقود كبرياءً وغطرسةً.
مع آحاد التهيئة للصوم تقود الكنيسة خطانا وتدعونا أن ننبذ كبرياء الفريسي ونتمثل تواضع عشارِ المثل الإنجيلي. تدعونا أن نطرق باب حنان الله بخفر العشار وبإقراره بخطيئته لا بعنجهية الفريسي المتكبر على الله ذاته. وبهذا المنحى أيضاً، تقودنا لنتأمل مثل الابن الضال الذي ابتعد عن الله وعاش في الخطيئة. لكن مرارة الخطيئة أعادت إلى نفسه حلاوة العيش في منزل الأب السماوي. فما كان من أبيه إلا أن فتح له أحضان الرأفة. ومن هذين المثلين الإنجيليين، تنطلق بنا لتُسمعنا صوت الديّان اليومَ وفي هذا الأحد؛ "جعت فأطعمتموني. عطشت فسقيتموني. كنت غريباً فآويتموني. عرياناً فكسوتموني. مريضاً فزرتموني. محبوساً فأتيتم إلي". وكأنها تقول لنا إن الله يريد رحمةً قبل سائر الطقوس. ومن هذه الآحاد، تطل علينا في الأحد الأخير لتناجي الفردوس المفقود من آدم، المفقود من كل منا وكأنها تريد أن تقول: عد أيها الإنسان إلى فردوس نفسك الذي تجده أولاً وأخيراً في حلاوة المسيح وفي سلام المسيح. اجعل من نفسك عروساً لذاك الختن السماوي الذي يأبى السكنى إلا في النفوس التي يتسيدها التواضع وتستوطنها التوبة وتنجلي فيها الرحمةُ أفعالاً لا أقوالاً.
مع بدء الصوم الكبير، نصلي إلى المسيح ونحني له ركبة النفس والجسد ونفتح له أبواب النفس ونناجيه قائلين: هلم أيها الختن السماوي وكن معنا في سفينة عمرنا التي يكدها موج اضطراب هذا العالم. كن معنا يا رب وثبت شراع نفوسنا فلا تقتلعْه ريح هذا العالم المتخبط بزيف جبروته. كن معنا يا الله وهب السلام لنا ولعالمك وسكن بجبروت صمتك زيف ضجيج هذا العالم المتخبط في أنانياته وأهوائه. كن معنا وهب السلام لنفوسنا ولديارنا ولبلداننا. وامسح بزيت تعزيتك الإلهية كل من هم في ضيقٍ أو شدةٍ أو مرض. بارك وتعهد أطفالنا وعائلاتنا وارحمنا وارحم عالمك وضم إلى رحمانيتك نفوس من سبقونا إلى ملقى نورك القدوس، أنت المبارك والممجد أبد الدهور، آمين.
دمشق، 15 شباط 2026.