عظة صاحب الغبطة في الجمعة العظيمة - كنيسة الصليب…

2014-04-18

" لا تمرمري،(بالنوح يا أمي)، يوم آلامي.
لهذا اليوم بالذات، نزلت أنا الحلو من السماء كالمن،
لا على جبل سيناء بل في حشاكِ،
فيه تكوّنتُ، كما تنبأ داود.
حاولي أيتها الملكة أن تفهمي "الجبل المدغل"،
أنا هو، إذ كوني الكلمةَ اتخذت منك جسداً.
وبهذا الجسد أتألم، وبه أخلِّص؛
لا تبكي إذاً، يا أمي، بل بالأحرى اهتفي:
طوعاً تألم
ابني وإلهي! "

بهذه الكلمات كان القديس رومانوس المرنم، ابن جارتنا حمص، يشرح لسامعيه في القسطنطينية لاهوت الصليب بحوارٍ ولا أحلى بين يسوع وأمه البتول الطاهرة، وبذات اللاهوت تكتب كنيسة المسيح ليتورجيتها أمام الرب المعلق على الصليب والطالب المغفرة لصالبيه.

نحن اليوم أمام نعش يسوع، وأمام صليبه الخلاصي ننشد تقريظاً. نقف اليوم مع يوسف ومع نيقوديموس ومريم والنسوة لنسكب عليه عبرات التأثر أمام هول المحبة. نحن لا نبكيه بحزنٍ بشريٍّ، لكننا نبكي تأثراً أمام تلك المحبة الإلهية التي لم توفّر شيئاً إلا وسلكته في سبيل خلاص البشرية. نبكيه بدموع القيامة الفرحة التي يلتمع وميضها من وراء جنبات الصليب. نحن فيه نتأمل محبة البارئ وصبر الخالق في سبيل خلاص خليقته. نحن لا ننظره كمصلح اجتماعي، ولا كبطلٍ خارق. نحن ننظره إلهاً عظيماً بالمحبة وسيداً علياً بالاتضاع. لا نقيس محبته بمقدار الألم، لكننا نقيسها بقدر التنازل. فليتفكر كل واحد منا أن الرب الإله من أجله ومن أجل خلاصه، قاسى صفعةً واحدةً. وهذه وحدها تكفي لتدل على تلك المحبة الإلهية الدفاقة.

"قد وافيت العالم لتنجي آدم، فهناك لم تجده يا سيدي فانحدرت للجحيم تطلبه". هذا ما تقوله تقاريظ الجناز وهذا ما يختصر فعلاً لاهوت هذا اليوم. يسوع، وهو المخلص، يسعى دوماً في إثر خروفه الضال، آدم. فقد آدم الفردوس تيهاً وغروراً فانحدر الإله إلى الجبلة الترابية إلى الأرض. ولأن الموتَ تسيّد جبلة آدم بعد الفساد، والجحيمَ أطبقت عليه، لم يأنف سيد آدم وربُّه أن يقاسي موتاً ويطلب حبيبه من قعر جوف الجحيم. يا له حباً تسامى فوق مدارك الناس، ويا له تواضعاً سما كل تواضع!

أيها الإله الذي لمحبته للبشر آثر حمل عود الصليب وهو المحمول على أكتاف السرافيم. يا جمر المحبة الثالوثية التي قطنت أحشاء العذراء وبها قدّست جبلتنا. يامن لظّى بمحبته حتى قلوب صالبيه ولم يأنف أن يذوق موت العبيد ليحرر جبلته، أعطنا أن نتذوق حلاوة العيش معك وأن نحظى دوماً بعزاء حضورك الإلهي.

أيتها المحبة التي ذابت توقاً إلى لقيا الضال وآثرت إلّا أن ترصده في أعماق جحيم أنانيّته، امسحي من قلوبنا إنساننا العتيق لنقدر أن نتلمس جدّة القيامة.

أيها الناصري الذي اعتمرَ التواضع واتشحَ بضعف طينتنا ما خلا الخطيئة، هيا افترش مغارة نفوسنا واطرد من جوانبها ترهّل الأزمنة واجلُها بوميض الفضيلة لنكون قياميين على مثالك.

يامن افتقدْتَ مسكنتنا من غابر الأيام وحللْتَ في مشرقنا، ضع فيه نفحةً من روحك القدوس لتعمّ الطمأنينة قلوب الناس ويكتسح رجاؤك كيانهم. أطفئ بغفرانك قلوباً امتلكها غضبٌ بشريٌّ وأسكت بجبروت صمتك طبول القلاقل الثائرة في بلادنا الحبيبة.

أيها الإله الذي مد يديه على صليب المجد محبةً وفداءً، مدَّ يدك وانزع من القلوب والصدور شهوة التكفير  وغطرسة الاستكبار، وفقّه الناس جميعاً أن الأرض بخيراتها جديرة أن تكون فردوسهم الأرضي وباكورةً لفردوس سماويٍّ يتذوقون فيها، ومن ههنا حلاوة العيش في ظل المحبة. مدّ يدك واستأصل من العقول إقصاء الغير، وسمّر بقوة أناتك كل عنفٍ وتطرفٍ وتكفير وترهيبٍ ورسخ في القلوب أن بذرة السلام أقوى من أشواك الإرهاب.

كن يا يسوعاه مع إخوتنا المخطوفين، كل المخطوفين. كن يا يسوع مع أخوينا المطرانين يوحنا وبولس، وامسح ضيقهم جميعًا بقوة وفعل اسمك القدوس. كن ربي مع الكهنة واليتامى وسائر المخطوفين من إخوتنا في هذا الوطن الحبيب. نسألك يا رب أن تخفف عن إخوتنا المهجرين وأن تمنحنا دوماً القوة، مع كل ضعفاتنا، كي نواسيهم بزاد المحبة والتعزية وبفلس الأرملة.

نسألك من هذه الكنيسة التي اتخذت من عودك الخلاصي، أي الصليب المحيي، محامياً عن أبنائها وعن كل دمشق، أن ترد الأذى عن دمشق وعن كل بقاع سوريا، وأن تكتنف لبنان بنور قيامتك المجيدة.

أنت معنا يا يسوع، وستكون أبداً معنا كيما نرتل لك ومن على جلجلة مجدك وصليب حياتنا: "المسيح قام من بين الأموات دائساً الموت بالموت والذين في القبور وهبهم الحياة".